المجد للأشياء للشاعر صابر العبسي

إلى الشاعر منصف الوهايبي

يأِتي ويذْهبُ في الممرّاتِ الخبيئةِ
بيْن طَاولةٍ منَ الإبلنْز والشبَّاكِ
علْبتُه من الكبْريتِ غرفتُه الفسيحةُ هذه
أم أنّها الرّحمُ الضّريحُ ؟
زجاجةُ الماغُون في يدِه
لأرْحَبُ من بلاَدِ الله
أرْحبُ منْ قلوبِ النّاسِ
يأْتي حينَ يذْهبُ ثُمّ يذْهبُ حينَ يأْتي
بالهواجسِ مُثْخنًا

هُوذا بمفْردِه الهنيهة هَهنا
ما انفكَّ عن دُورانِه الأعْمَى على نفْس المكانِ
مُطوّفًا شتَّى الدُّنى ومُصفّرًا
لكأنَّه فوْق الرّصيفِ من المَحطّةِ
في انْتظار بشَارةٍ منْ هاتفٍ مَا
مكْفهرًّا
شاردًا
مُتفكّرا
ملء الهنيهةَ مثْل عقْربِ ساعةٍ
بين الثريّا والثّرَى
من ألْف ألْفٍ في الظّلام مُصفّرًا
يأْتي ويذّهبُ مُمْعنًا
في المزْهريّة
في الأريكةِ
في الوسادةِ
في الشّراشفِ
في الخزانَة والسريرْ
يأتي ويذْهب مكْفهرّا شَاردًا متفكّرًا
في المَاوراءِ من الرّؤى
في البَابِ،
في الشبَّاكِ ،
في الجُدرَانِ ،
في المرآة ،
في السجّاد في السكّين والفانوسِ ،
هاشاّ عن محيّاه الذبابةَ تلك داخلَ رأْسه
يأْتي ويذْهبُ
في القَصيّ من المتاه مُدنْدنا
في سرّه
ما المزهريّةُ ،
ما الأريكةُ،
ما الخزانةُ ،
ما الوسادةُ ،
ما الملاءة ُ،
ما الشراشفُ ،
ما السرير المنْتهى،
ما الماوراءُ من الهنيهة ههنا،
ما البابُ،
ما الجدرانُ ،
ما الكرسيُّ ،
ما المرْآةُ ،
ما السجَّادُ ،
ما السكّينُ،
ما الفانُوسُ ،
هذي كلُّها الأسْماءُ آلهةٌ
أأحجبة
اأقنعة
لأخيلةٍ قُبيل وجودِها كان العماءُ
هي الهنيهة ههنا
في حجْرة أعْلى البناية كلُّها الأَسْمَاءُ
رهْنَ يديه في القاموسِ
من أفْضى بهَا
قدْ فضَّها

يأْتي ويذْهبُ هكَذا منْ شدّة التفْكيرِ
في أشْياء غرفته اخْتَفى
لم يبْق إلاّ طيفُه
رجْعُ التنهّد للعناصرِ معْدنًا
لكنّ مُفْتقديه من زوّاره
في جيْبِ ستْرته من الكشْمير
قد عثَروا على برقيّة كُتبتْ بكلّ بساطةٍ
قد أوجدته وحْدَها الأشْياءُ
ثم اسْترْجَعتْه بغْتةً
هي وحْدَها الأشيَاءُ تُدْرك
انّه متحدثٌ أبدا بملْء لِسانِها
هي وحدها الأشْياءُ تُدْركُ
أنّه لَوْنٌ ورَائحةٌ ومُوسيقى وذَاكرةٌ لَهَا

من كتاب أجمل ما فيك لايقبل الترجمة

هالوسين، رواية الصداع لاسماعيل مهنانة (توطئة بقلم الكاتب رفيق طيبي)

ستصبح الفرنسية imi، بعد دخولها الإسلام “إيمان”. تتخلى عن عملها لتنتقل إلى العمل في مكتبة إسلامية، ترتدي الحجاب، وتتغير تدريجيا عن شريكها الجزائري المتخلي عن الإسلام (لاديني)، ولن يشفع له تسامحه وعدم تدخله في قناعاتها حين تصفه بالمنحرف والضال، مصدقة إمام المسجد الذي حرّم عليها الزواج من غير المسلم فتقول له : ” إنك تلهيني عن ذكر الله، وتقطع عني خلوتي معه، لقد صرت جدارا بيني وبينه” ص(161) ثم تنهار السيدة ليفي (والدتها) المتعصبة لليهودية حين تعلم بإسلامها الذي سيؤدي لاختفائها وهروبها نحو سوريا، ثم تركيا، ثم تؤدي العمرة وتنتفي كليا. يحدث هذا بسبب الإصابة بفيروس الهالوسين الذي ينتقل عبر الكلام، ويسبب هذيانا حادا، كما أنه سريع الانتشار وعمره 14 قرنا، لا يختفي إلا ليعود بقوة أكبر ! مطلع 2001 سينتشر في العاصمة الجزائرية، وتبدأ التحاليل على مستوى مخابر أجنبية. ومن متاعب الفيروس أن الجماهير المصابة تتآلف معه، وتدريجيا تدافع عنه وتنظِّر له، فيصفه الشيخ عمر بالقول : هو نعمة وكرامة من كرامات الله التي يغدق بها على أوليائه الصالحين” (ص105)
فيروس التطرف الديني، يقحم البلد في أحداث جنونية. تكلف الدولة أعوانها بحماية المنشآت والأمن العام، فتكتشف أن مئات من عناصر الشرطة يتسللون بحثا عن امتيازات الجماعات المصابة بالفيروس. يفتح تحقيق بأمر من أحد الموصوفين بالربوب في أجهزة الدولة، فيصدم بأن نصف عدد الأعوان منتمون إلى الجماعات المصابة بالفيروس ويمارسون التقية !
قبل أن تيأس إيمان المسلمة حديثا من حبيبها، ستحاول إعادته إلى الإسلام، فيقول في سياق وصف ما يعجز عن تلبيته : الإسلام برنامج وجود، يستغرق حياة الفرد من الولادة حتى الموت، الالتزام بذلك البرنامج يلغي الإيمان لصالح العقيدة، ويلغي الفرد لصالح الجماعة والطائفة، مع الوقت لن تكوني ملك نفسك، ولن تكوني لي وحدي، ستصبحين ملك الطائفة. جندي في ثكنة، وأنا هارب من الجبهة كما تعلمين (ص147). ثم يصف إسماعيل مهنانة من خلال شخوص روايته (الحوّاس شخصية مركزية) كيف يتغذى الهالوسين (التطرف) بالقول : الفيروس يتغذى على المزايدة في العودة إلى الأصل. هذا الأصل يطرح مهنانة عليه مجموعة من الأسئلة، عن أصوله وأدبياته بالقول : كلها روايات كتبت بعده (أي النبي “ص” ) بقرنين، ومروية عن روايات شفوية تشكلت في عصر مضاد للعصر الذي كتبت فيه، الروايات التي وصلتنا كتبت في العصر العباسي عن روايات شفوية يقولون أنها تشكلت في العصر الأموي، وبين العصرين نزاعات وحروب كثيرة. ثم تطرح إيمان سؤالا حول علاقة الهالوسين بهذا العصر وكيف انتشر فيه، فيطلب منها “الحواس” الانتظار لمعرفة مصادره من خلال مخابر البحث التي تدرسه في كوبنهاجن. لكن إيمان لن تتراجع، وستتماهى مع الهالوسين !
وعن التقارب بين الأديان (ص123) يقول الحوّاس لإيمان المسلمة حديثا في سياق نقاشهما حول الحجاب، وخوفها من والدتها المتعصبة لليهودية : الإسلام في النهاية هو يهودية مدمقرطة. ثم يستعيد يهود قسنطينة الذين تنحدر منهم imi وقد غادروا الجزائر تحت ضغط انقلاب 1965 بقول والدها واصفا الخطر الداهم :(ص69) سوف يقدموننا كبش فداء للهوية النقية الضائعة التي يبشرون بها، لطالما كان اليهود كبش فداء الهويات النقية، ليس تاريخنا إلا ذلك.
ثم ينتقل إلى وصف ميوعة تحل بعد الإصابة بالهالوسين على مستوى اللغة : تتحول كلمة “عفسة” التي تعني الدوس بالقدم إلى حيلة، وتنتشر مفردات مثل “حبة” وكعبة “وراك شايف كيفاش” التي قضمت المعاني !
وينبه إلى اعتقاد المصابين بالهالوسين، أنهم الأصل والحقيقة، والبقية فلول الناجين، وهم منبوذون. أما علاقة الهالوسين بالسلطة فيوضح أن له حزبا خاصا به ! يتعمق أكثر بالقول (ص106) : وليس بعيدا أن يتم اقتسام البلد بينهما ضمن ما يسمى بفكر تبادل الشرعية، حيث تسلم السلطة المجتمع لجماعة الهالوسين، مقابل اعتراف هذه الأخيرة بجماعة السلطة ودعمها ضد خصومها.
يستعيد إسماعيل مهنانة من خلال شخوص روايته أحداث الربيع الأسود (المظاهرات التي توجهت صوب العاصمة 2001) حيث يعتقد الحواس (الشخصية المركزية) أن المشاركين فيها لم يكونوا مصابين بالهالوسين، وكان ممكنا أن ينقذوا الجمهورية، لولا الأسلوب الكولونيالي الذي استخدمته السلطة عن طريق الإعلام فحركت شباب المدينة ضد المتظاهرين.
في الرواية استحضار للمرحلة الاشتراكية، ونقد تاريخي للمسار الجزائري خلال الاستقلال، نقد ثقافي وفلسفي للأطروحات الدينية المتطرفة، وعلاقة السلطة بها، وللمسار الإسلامي عبر تاريخ طويل، وكيف تولّد الإرهاب، رواية جريئة، وقادرة على بعث أسئلة متنوعة من داخلها. في هذا المنشور نقاط متفرقة من المتن، استوقفتني، وفي الرواية الكثير من محفزات الاستكشاف، وتحيل إلى السؤال الذي طرحه الدكتور “السعيد بوطاجين” قبل أشهر في مقاله حول هرمان هيسه وجاء فيه : ماذا لو تحكم الفلاسفة في التقنيات السردية، واهتموا بالأدب كجنس يمكن استثماره لنشر الفلسفة بطرق فنية أقل تجريدا وتعقيدا ؟ لابد أنهم سيكتبون روايات وقصصا وأشعارا راقية ستطيح بالمؤلفات الساذجة، وهي كثيرة جدا، الظاهر أننا كتاب محظوظون أحيانا في سوق السرد، بقضه وقضيضه وعلى الفلاسفة أن يتركونا بسلام، آمنين مطمئنين في بعض مستنقعاتنا الأدبية.
إسماعيل مهنانة، سيتجاوز مطبات يعيها وقد لخصها في منشور يتحدث عن الرواية الأولى للكاتب، سيستمر في فلسفة نصوصه الإبداعية، والدفع بها نحو مناطق غير آمنة، منطلقا من رؤية تتطلب صبرا ومغامرة في سياقنا.

بقلم الكاتب رفيق طيبي

اللحاف للشاعر صابر العبسي

قبيل اختراع الكتَابة والنّار والأغنيات
قبيْل انْبثاق المعادن من باطن الأرض
ملء المتاهة في البيد
آدم ما كان إلاّ عميقا كنهر وحرا كطير

كما الماء في النّهر يركض
صحبة غزْلانه
والفراشات من حوله تتطايرُ ولْهى
يرقّصُ في القيْظ ظلّ الغمامات عابرة فوقه
وهو يرعى الظلال الخبيئة للكون
لاجوربا
لانعالا
يقيه من البرد والحرّ
أعْزل في عريه الرحمي تمَاما
ولاورقات من التّوت يانعة
قد تظلّل عورتَه
والأيائل تتْبعه خلْفه
أتلف البرّ
نبشا عن اللغز
عن عشبة الأبديةّ
حتى التقاه التقى روحه النّبع
ام السّلالات
أجمل من جنّيات الفراديس أنثاه
مرتجزا هزجا طربًا
راقصا حولها
ملء جنْحيه عانقها
يتلمّظ أنفاسها
إن هي البيدُ زربيةٌ
راح يفلح أنثاه
يحْرثها وهو يزرعها يتشمّم عنبر أعطافها
ثم يحصد ملء سلال من الدفء أثمارها عنبا
راح يقضمها قمرا طازجًا
حين يلعقها عسلا كوثرا مسْكرا
موغلا في المجاهيل
من شهدها العذب
من طيبها المسك
يعلو
ويهبط
يشهق يزفر مستوفزا هائجا
والنجوم انبرت
في مواقعها تتلألأ
والطير في الوكنات من القفْر
خرساء كانت تُحملق في العتمات
فإذْ هي مزهوّة حوّمت فوق حولهما
بألذّ الاغاني مدندنة
بينما في الاقاصي من الطين غارت
جذور الزياتين والزّان والتّين
غارت عميقا مدمدمةً
تتعانق مثل أفانينها الخضر راقصةً
في الهواء مدوْزنة
تتصافح
فانْقشع الليل فيما هنالك في النهر
آدم يحضن انثاه
في جسد واحد
سلم المشتهى يصعدان
يدا بيد
وفما بفم
ودما بدم
هوة المنتهى يهبطان
الصعود الهبوط
الهبوط الصعود
على الشيح والكلأ الهشّ
مثل البحيرة فوق الأزاهير يلتحمان
إلى أن تصفّر كل العفاريت لائذة
بالمغاور ترجف
فيما الشياطين خائرة
كلها حسكا تتقصّف
والقمر الغض ليمونة تتضوّع
من رغوة الاحتدام مشعشعةً
يصرخان من التّيه في قبلة
لاقرار لها
في التباريح يشتعلان
على الشيح والكلأ الهشّ متّحدان
ولا لم يكن لهما غرفة
أو سرير
ولا دفتر عائليّ
ولاهاتف
هاتف خلويّ
ولابرقيات ولاساعة
لتحدّد إيقاع ما يتساقط من ورق
عاريان كما الماء دون نافورة
لم يكن لهما شاحنات ولا قاطرات
ولا مركبات
لردم المسافة بين الضحى والدجى
أو لرتْق المسافة بين الثرى والثريّا
أمام الطبيعة والله متّحدان
يدا بيد
وفما بفم
ودما بدم
لم يكن لهما في الرقائق
أو في النقائش
عقد زواج
ولاالطبل
لاالنّاي
لاالزّغردات
ولاالفرقعات لتزعج آلهة في مهاجعها
عاريان الدّنى
تترنّح تحتهما
لم يكن لهما أيّ تأشيرة للرحيل
ولا برلمان
بإسم الدويلر
في بورصة النفط يملي
على الهالكين من المعدمين تعاليمه
لم يكن لهما للتبضّع سُوبَرَ مرْكتْ
ولاتلفزيون
لاصحف
رغم ذلك كان سعيدين شابين لا يهرمان
ولا لم يكن لهما أوّل البيد
في البدء
مستشفيات
ولاعملة صعبة
أو معادن غير العواطف عذراء ملتحمان
أمام الطبيعة والله
لا يملكان سوى الأرض
ملء النّدى غرفة للرؤى
للمحبّات رقراقةً
عاريان كما شفرة الفأس
في الماء مشتعلان
وما من لحاف يغطّيهما غيره الحبُّ
يبني ممالكه فوق أنْقاض
وحش الخلاء الذي يتلفّظ آخر أنْفاسه
………….
…………
………..
العالم البيد في البدء كان أشدّ ظلاما
ولكن أقلّ دماء
صقيعا
وحشية
وخرابا

خطيئتي_الثالثة للشاعر محمد بوقبال

سلام آريس يا آخر تحفة شوهها مهربوا الآثار
يا لهفة الأمهات لعودة الثوار
يا أيها المنسي والمنفي والمرمي في نهاية المشوار
لولاك لم نزل تحت سياط الاستعمار
لولاك كنا نلمع جزمة بيجار
هلا سمحت لي
أن ألعن كل القوادين ممن تاجروا في دماك
لولاك يا صانع القرار
ما كان بترول
ولا شرب مسؤول
نخب استغبائنا ونخب استحمارنا في بـار
***
سلام آريس
يا أشرف الأشراف يا سيدي الحاكم
سلام يا طارد الغزاة يا جندينا المقاوم
يا فرح النصر السعيد…من أخذ الغنائم ؟
قد فُتحوا للمستعمر مجددا أبوابنا
و أهدوه خيراتنا …ولا ندري من يساوم
أطعموه طعامنا
وأعطوه ثيابنا
وجعلوا بلادنا في يديه تدور كالخاتم
تجاوز الفساد حده
وأعز بمال الشعب جنده
ومسؤولنا الحقير يسجن المظلوم ويسرح الظالم
وقاضينا الضرير لا ينظر في المظالم
يا غمدنا الفارغ قد سرقوا سيفك الصارم
يا سيدي الحاكم
***
سلام آريس
يا من همشوك من بعدما زوروا التاريخ
ليس هناك تاريخ ثابت
إلا ما يكتبه السيقار والشقة المفروشة في زيوريخ
لا تفيدنا أشعار ولا يشفي غليلنا توبيخ
لا سمو ولا نمو ولا بطـــــيـــخ
على بياض الأفخاذ يكتب التاريخ
وعلى استدارة النهود يدور التاريخ

كتاب “كانت أولا” د.ربيحة الرفاعي

مغامرة تشبه قرار السير قصديا في حقل ألغام، هو قرار الكتابة في أمر حقق اتفاقا جمعيا لدى الشعوب من أجهلها لأوعاها، وتمكن من صناعة ما خلق دعائم له، في كل مقومات وعي ووجدان الناس، حتى في أساطير ما قبل التاريخ منذ تعلم الإنسان تدوين فكره وحكاياته، وحتى العقائد والديانات الوضعية والسماوية، موجدا بذلك طريقه لتكبيل العقول عن التفكير فيه، وكشف عيبه، ومكرسا استلاب ضحيته، لتنضوي تحت لواء زعمه؛ مؤمنة بدونيّتها، راضخة لامتهانها، مستسلمة لواقعها، في مظلمة كبرى وقعت على المرأة منذ عصور ما قبل التاريخ، فذيُّلت للرجل في خَلقها، وهُمّشت كيانا وأُغفلت إحساسا، وازدُريت ذاتا، ونوقش انتماؤها للإنسانية، ونُسبإليها الشر أصله، والضعف كلّه، وعُذّبت وأُحرقت حيّة، وغيره.
إنها ذكورية الرؤية والفهم البشري للحياة والعالم، تلك الرؤية المتحكمة بالأعراف والقيم ومسارات البحث والتقرير والتعبير وربما حتى بشطحات الخيال؛ مما جعلنا بذكورية نقرأ الحياة، وبذكورية نفسر مشاهدها ونحلل أسرارها، مجسدين جذرا استعباديا للمرأة بعيد العمق في التاريخ الإنساني، وتلك حقيقة تشهد بها ممارساتنا حتى في المجتمعات المتحضرة والتي تحاول تصوير نفسها متحررة من عقدة الجنس والتمييز، فكيف تحقق لتلك الرؤية أن تفرض وجودها وسطوتها، على امتداد هذا التاريخ الطويل منذ أساطير الشرق، وربما قبلها، مؤطرة واقع المرأة في تشيئ يدنو بها من أن تكون من أدوات الرجل أو ممتلكاته، إن لم يجعلها كذلك فعلا، وهو ما تبرز دلالاته أكثر كلما كانت مؤشرات الرجعية والتخلّف في المجتمعات أكبر، حيث يتحكم الماضي بسيرورة الحاضر، صانعا صيرورة غدٍ ماضوي،محجور عليه في كهوف تراث انقطعت صلته بما هو عقلاني، بتقدم الوعي والمخزون المعرفي.
بهذه الرؤية الذكورية وانعكاساتها، غُيّبت المرأة عن ممارسة عضويتها في المجتمع ودورها في بناء الحضارة، وبحسابات النسبة والتناسب فقد غابت عن ميادين الإبداع الفكري والفلسفي والديني، وإذا كان فرويد يرى أن السبب في غيابها يرجع لحسد الرجل في لا وعيه للمرأة -لدورها في الخلق بالحمل والإنجاب- ولجوئه عبر تاريخ البشرية، لمعالجة شعورة بالنقص أزاء ذلك،بالاجتهاد في خلق الفكر والإبداع الفلسفي والديني والتشريعي، فإن ما يبدو جليا أن الأمر لم يكن كذلك، بل كان نتيجة حتمية لتكبيلها ذهنيا بما شُرّبت عبر التشريع الديني من إحساس بالدونيةوالذيلية للرجل، وتقييدها فعليا بمهام خدميّة لا تترك لها مجالا لإبداع ولا لتطوّر.
ولأن الحكاية تبدأ من التصور الآيديولوجي لخلق المرأة، منذ فسائل الآيدولوجيا المبكّرة في الأسطورة، وتنسحب منه على كل أمرها، فقد وجدت علي أن أبدأ من هنا … من خلق المرأة وما حكت فيه الأديان الوضعية والسماوية، منطلقة في ذلك بقراءة آيات القرآن المتعلقة به؛ قراءة مختلفة عن القراءة النمطية المؤطرةبتوجيه الأسطورة، ومقابلة ما تقوله الآيات -محررة من الفهم المؤسطر- مع ما تقوله الحقائق العلمية، أنتقل بعدها لتلك الحكاية في الأسطورة وما تلاها متأثرا بها، لأبين انعكاسها حتى على قراءة النصوص المقدسة وقصصها، بل وعلى كتابتها بالنسبة للمكتوب منها كالتوراة مثلا.
وفي محور آخر، كان من اللازم لاستكمال الصورة، الوقوف على ما تتم مدارته أو السكوت والقفز عنه في التفسير الديني؛ من حقيقة علمية تثبت أسبقية وجود المرأة وتفوقها، لما في ذلك من كشف لعورة النص المكتوب بشريا،وعورة تفسير النص الإلهي المنزّل، قبل الانتقال للبحث في كيفية تسرّب الأسطورة لها جميعا.
ووصولا لقراءة منطقية ومحيطة، في هذا الإيجاز للحكايات الضحلة القادمة لزماننا موروثا تمتد جذوره لآلاف السنين قبل الميلاد، يرسم من خلالها واقع المرأة اليوم على أساس من مقولته، المنطلقة من الزعم بمركزية الذكر وذيلية المرأة، كان لزاما عليّ الوقوف على بعض محطات ما يؤشرإليها من عادات ومعتقدات وممارسات شعبية جاهلية، وذلك لاتصالها جميعا في كثير من المنابع.
وقد شجعني على هذا إيماني بأن الانفتاح المعلوماتي الذي أتاحته شبكة الانترنت، أطلق العقل الإنساني من مغاور ظلامية الموروث، وفتح أمامه آفاق المعلومة واسعة، تجول فيها خيل فكره قراءة وتأملا وتحليلا بقدر ما يرخي لها العنان،مدركا أن المعرفة العلمية والفهم الصحيح للكون؛ يمكن أن ينسجما مع الإيمان والتراكيب القيمية السامية؛إن نجح بقراءة النص الديني متحررا من الموروث المتحجر بدلا من لي عنق النص ليتفق معه، سيما وأن لي أعناق النصوص يؤدي لفهم خاطئ يزلزل اعتقاد المتفكرين فيها، وربما نال بذلك من مطلق إيمانهم.

ويستوقف الفكر في هذا شبه الإجماع العجيب على خلق المرأة الانتقاصي الذي يزعمون، يغطي كل ما تمكنت من الوصولإليه من أساطير وقصص ديني، وتفاسير، رغم ما يكتنفه من تساؤلات تفرض نفسها عند كل محاولة انفلات من السكونية الفكرية المستسلمة في محاجر الموروث، المؤمنة بقطعيته وافق العقلانية والمنطق ومقولة العلم أو خالفها وتناقض معها.
وقد حاولت انطلاقا من اعتقادي الراسخ بعلّة هذا الادعاء، قراءة خلق المرأة ومكانتها متحررة من تلك العلّة، وهي مغامرة-كما اعتبرتها- ربما تضعني في مواجهة قمعية الموروث وعبودية السلطة الأبوية التي تشهر سيف بطشها في وجه كل محاولة لتعرية المسكوت عنه مما يخفي الحقيقة وراء ادعاءاته،وكلّي أمل أن أتمكن من إشعال شمعة في هذا الظلام.